السيد محمد الصدر

85

منة المنان في الدفاع عن القرآن

اليمين إنَّما هي للأُمور المحترمة ، ويسمّون أصحاب الشمال لأنَّهم محتقرون . كما أنَّ أصحاب اليمين إلى يمين العرش مثلًا أو إلى يمين عرصة المحشر ، وأمّا أصحاب الشمال فإلى شمال عرصة المحشر . الجانب الآخر من البحث هو ( الكتاب ) في قوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ . فحسب الارتكاز المتشرّعي الكتاب ورقةٌ كبيرةٌ ومكتوبةٌ ، والكتاب عبارةٌ عن مجموعة أوراقٍ ، والدلالة المطابقيّة العرفيّة تؤكّد ذلك ، والأعمال مكتوبةٌ في هذه الأوراق وتأتي إلى يوم القيامة ، والعجيب أنَّه كيف يُعقل أنَّ الأجسام كلّها تبلى والكتاب باقٍ ؟ ذلك لأنَّهم يتصوّروه كتاباً مادّيّاً ، فعلى هذا الفهم يكون الإشكال وارداً عليه . ولعلّ هذا في الحقيقة غير صحيحٍ ، وإنَّما الشيء الذي أستطيع أن أقوله : إنَّ الكتاب هو جانب الإثبات من الأعمال ، أي : عالم التعرّف على الأعمال ، وإثبات الشيء يعني : التعرّف عليه والعلم به . فيكون المقصود : أنَّه في يوم القيامة وعند الحساب يُؤتى بما يُحاسب عليه الفرد ، أي : نحاسبه عليه ، فنثبت الجريمة ، ثُمَّ هكذا نورد العقاب أو نثبت الفضل ، ثُمَّ نثبت عليه الثواب أو العقاب ، وهذا لا يكون إلّا بضبطٍ ، أي : بعلمٍ وحجّةٍ شرعيّةٍ ونحو ذلك من الأُمور ، فجانب الإثبات للأعمال هو الكتاب ، أي : أُسلوب التعرّف عليها ، والله سبحانه وتعالى حشدّ أُموراً كثيرة في الكون للتعرّف على الأعمال ، بالرغم من أنَّنا جالسون هنا كالنعامة واضعين رؤوسنا في الرمل ، حتّى كأنَّنا لا نتخيّل أنَّ أحداً ناظرٌ إلينا . فليس الله فقط ناظراً إلينا ، بل كثيرٌ من المخلوقين ينظرون ، بلّ لعلّ كلّ المخلوقين ناظرون